الفنان أكرم ليتيم
بإشراف: أكرم ليتيم

فنان وباحث في التراث الشعبي الجزائري

في هذا الموقع، أقدم لكم شروحات وافية ومحتوى تخصصياً. تخضع كل معلومة لمراجعتي الشخصية الدقيقة، مع تواصل دائم مع كبار المشايخ وأهل الفن لضمان صون الأمانة العلمية وتقديم التراث بصورته الأصيلة.

خط المقال

اختر الخط المفضل لديك للقراءة:

زرياب: طائر الشرق الذي غرد في الأندلس

زرياب: مؤسس الفن الأندلسي وعراب الذوق - المرجع الشامل | مدونة البقراج

زرياب: طائر الشرق الذي غرد في الأندلس

المرجع الشامل في تاريخ الموسيقى الأندلسية وتأسيس النوبة

لا يمكن الحديث عن الفن في المغرب العربي، ولا عن تراثنا الموسيقي العريق الممتد من قسنطينة إلى تلمسان ومن الجزائر العاصمة إلى ندرومة، دون الوقوف إجلالاً أمام شخصية أسطورية غيرت وجه التاريخ الفني: أبو الحسن علي بن نافع، الشهير بلقب زرياب. هذا الرجل لم يكن مجرد عازف عود، بل كان "أمة في رجل"، نقل معه شعلة الحضارة من بغداد العباسية ليغرسها في قرطبة الأموية، فتثمر شجرة وارفة الظلال نتفيأ تحتها اليوم، نسميها "الموسيقى الأندلسية". في هذا المقال المرجعي الضخم، سنغوص في تفاصيل حياته، ابتكاراته، وكيف شكلت عبقريته هوية الفن الجزائري والمغاربي كما نعرفه اليوم.

القسم الأول: بغداد.. بداية العبقرية والصراع

نشأة الطائر الأسود

ولد علي بن نافع عام 789م تقريباً، وتضاربت الروايات حول أصله، فمنهم من قال إنه عربي، ومنهم من رجح أصوله الفارسية أو الكردية، لكن الثابت أنه كان مولى للخليفة المهدي العباسي. نشأ في بغداد، عاصمة الدنيا وحاضرة العلوم والفنون، حيث تتلمذ على يد "إسحاق الموصلي"، الذي كان يعتبر عميد الموسيقيين في ذلك العصر بلا منازع. لُقب بـ "زرياب" لسواد بشرته وفصاحة لسانه وعذوبة صوته، تشبيهاً له بطائر الشحرور الأسود (الزرياب) الذي يغرد بأعذب الألحان.

المواجهة في بلاط الرشيد

كان زرياب يحفظ آلاف الألحان، ويتمتع بذكاء حاد وموهبة فذة، لكنه كان يخفي عبقريته عن أستاذه الموصلي احتراماً وخوفاً. جاءت اللحظة الحاسمة عندما طلب الخليفة هارون الرشيد من إسحاق أن يسمعه صوتاً جديداً. قدم إسحاق تلميذه، فدخل زرياب وغنى فأطرب، وعزف فأذهل. لم يستخدم عود أستاذه، بل أخرج عوداً من صنعه الخاص، وبدأ يشدو بشعر وموسيقى لم يسمع الرشيد مثلها من قبل. طار الخليفة فرحاً، وهنا اشتعلت نار الغيرة في قلب الأستاذ.

واجه الموصلي تلميذه بخيارين أحلاهما مر: إما أن يرحل عن بغداد فوراً ولا يُرى فيها أبداً، وإما أن يغتاله وتضيع دماؤه. اختار زرياب الحياة والفن، وحزم أمتعته لتبدأ رحلة الهجرة التي ستغير تاريخ الموسيقى في العالم.

القسم الثاني: الخرجة من الشرق والرحلة للقيروان (حكاية بالدارجة)

كيفاش خرج زرياب من بغداد وقصد الغرب

يا جماعة، الحكاية تاع زرياب تبان كيما المكتوب لي ما فيه هروب. السيد كان عايش في العز في بغداد، بصح "العين" والحسد تاع المعلم نتاعو إسحاق الموصلي خلاتو يرفد كابتو ويخرج في ظلام الليل. زرياب كان فاهم بلي "أرض ربي واسعة"، وماشي بغداد هي الدنيا وما فيها.

خرج زرياب قاصد الشام، ومن تم لمصر، وهو يجوال ويسمع ويحفظ في الطبوع والأنغام وين ما حطت رجلو. بصح القلب نتاعو كان يميل لجهة "المغرب"، بلاد الفرص الجديدة. وصل للقيروان في تونس، وهاديك الوقت كانت تابعة للأغالبة. استقبلوه وفرحو بيه، وغنى وزهى القعدة. بصح يا خاوتي، المكتوب عاود دار عليه. الحاكم تاع القيروان "زيادة الله" سمع بلي زرياب يغني كلام يخلي الناس تخرج من عقلها من كثرة الزهو والطرب، خاف على الهيبة تاعو، وقالو: "أرفد دوزانك وطريق السلامة".

في هاديك الشدة، زرياب ما فشلش. كتب برية (رسالة) للأمير تاع الأندلس، الحكم بن هشام. قالو فيها: "أنا فنان غريب، وعندي فن عجيب، وإذا قبلتوني نكون منكم وإليكم". وصلو الجواب بالقبول، وركب البحر قاصد "الجزيرة الخضراء". بصح المفاجأة الكبيرة كانت تستنى فيه.. غير وصل، لقى الأمير الحكم مات! زرياب تخلع، قال في قلبو: "خلاص، البيبان تبلعو في وجهي". لكن، وليد الحكم، الأمير الجديد عبد الرحمن الثاني، كان فنان ويقدر الفن، بعث ليه المراسيل وقالو: "أنت ضيفنا الغالي، وقدرك عالي عندنا". وهكذا دخل زرياب للأندلس دخول السلاطين، وبدات الحكاية الكبيرة تاع الموسيقى الأندلسية لي رانا عايشين بيها لليوم.

القسم الثالث: الاستقبال الملكي وتأسيس المعهد

الاستقرار في الفردوس المفقود (822م)

وصل زرياب إلى قرطبة، فاستقبله الأمير عبد الرحمن الثاني بحفاوة بالغة لم يحظَ بها أحد من قبله. أجزل له العطاء، وخصص له قصراً ومنحه راتباً شهرياً ضخماً (مائتي دينار ذهبي)، وجعله من خاصته. وجد زرياب في قرطبة التربة الخصبة التي كان يبحث عنها لزرع بذور فنه، بعيداً عن دسائس بغداد.

أول "كونسرفتوار" في العالم

أسس زرياب في قرطبة أول معهد لتعليم الموسيقى والغناء في التاريخ. لم يكن التعليم فيه عشوائياً، بل وضع زرياب منهجية بيداغوجية صارمة لتدريس الطلبة تمر عبر ثلاث مراحل أساسية:

  1. مرحلة الإيقاع (الميزان): يعلم الطالب ضبط الأوزان الشعرية والإيقاعية بالنقر على الدف (الطار) وهو يلقي الشعر، لضمان سلامة الذوق الإيقاعي.
  2. مرحلة اللحن: يتم تلقين الطالب الألحان البسيطة الساذجة، والخالية من التزويق، لتدريب صوته وأذنه.
  3. مرحلة الزخرفة (التزواق): وهي المرحلة النهائية للمتمكنين، حيث يتعلم الطالب كيفية إضافة العرب الصوتية، والقفلات، والتحسينات التي تعطي للأداء روحه وجماله.

هذه المنهجية هي الأساس الذي بنيت عليه مدارس الموسيقى الأندلسية (الصنعة، المالوف، الغرناطي) ولا تزال متبعة بشكل أو بآخر في جمعياتنا الموسيقية حتى اليوم.

القسم الرابع: ابتكارات زرياب في آلة العود

لم يكتف زرياب بالعزف، بل كان مهندساً صوتياً بامتياز، أحدث تغييرات جذرية على آلة العود جعلت منها "سلطان الآلات":

الابتكار التفاصيل والأثر
الوتر الخامس أضاف وتراً خامساً للعود (الذي كان بأربعة أوتار فقط). وضعه في الوسط ولونه بالأحمر، وسماه "وتر النفس" أو الروح، ليجمع بين الأوتار الأربعة التي كانت ترمز للطبائع (المرة، الدم، البلغم، السوداء). هذا الوتر زاد من المساحة الصوتية ومنح العود عمقاً روحياً.
مضراب النسر استبدل المضراب الخشبي القاسي بمضراب مصنوع من "قوادم النسر" (ريش جناح النسر). هذا التغيير جعل العزف أكثر سلاسة، والصوت أكثر صفاءً وحلاوة، وحافظ على الأوتار من التلف.
صناعة الآلة قام بتخفيف وزن العود ليصبح رنينه أقوى، واستخدم أمعاء الشبل لصناعة الأوتار الغليظة (لأنها أصبر وأرن)، والحرير للأوتار الرقيقة، واختار أنواعاً محددة من الأخشاب لتحسين التجاوب الصوتي.
القسم الخامس: هندسة "النوبة" والنظام الموسيقي

من الفوضى إلى النظام

قبل زرياب، كان الغناء العربي يميل إلى الارتجال وأداء القصائد المنفردة. جاء زرياب بفكرة عبقرية هي "النوبة"، وهي بناء موسيقي ضخم يشبه السيمفونية، يتكون من تسلسل معين للمقطوعات والإيقاعات، يبدأ بالهدوء والوقار ويتدرج نحو السرعة والرقص.

وضع زرياب اللبنات الأولى لهذا النظام الذي تطور لاحقاً في المغرب العربي ليصبح على الشكل المعروف:

  • المصدر (أو النشيد): إيقاع بطيء ووقور، يمهد الجو النفسي للمستمعين.
  • البطايحي: إيقاع متوسط السرعة، يمتاز بالفخامة.
  • الدرج: تسريع طفيف في النسق.
  • الإنصراف والخلاص: الخاتمة السريعة الراقصة التي تخرج المستمع من حالة الوقار إلى حالة البهجة والانشراح (الزهو).

كما ينسب لزرياب ربط النوبات الموسيقية بالطبائع النفسية وبأوقات اليوم (نوبات للصباح، للمساء، ولليل)، مما جعل الموسيقى علاجاً ورفيقاً للإنسان في كل حالاته، وهو ما نراه اليوم في تخصص نوبة "رمل الماية" للمساء و"الزيدان" لليل، وغيرها.

القسم السادس: عراب "الإيتيكيت" والموضة

أثر زرياب لم يتوقف عند الأوتار والأنغام، بل امتد ليشمل تفاصيل الحياة اليومية، مؤسساً لما يعرف اليوم بـ "الإيتيكيت":

1. فن الطبخ والمائدة

  • علم أهل الأندلس نظام تقديم الوجبات (Course Meal): الشوربة أولاً، ثم اللحوم والأطباق الرئيسية، وأخيراً الحلوى والفواكه (وهو النظام المتبع عالمياً اليوم).
  • استبدال أواني الذهب والفضة بالأكواب الزجاجية (الكريستال) والكؤوس الشفافة لإظهار لون المشروب وجماليته.
  • ابتكار أطباق وحلويات جديدة، ويقال إن "الزلابية" هي تحريف لاسمه (زريابية).
  • تنسيق المائدة بالزهور واستخدام المفارش الأنيقة.

2. الأزياء والتجميل

  • ملابس الفصول: حدد أنواعاً من الأقمشة والألوان لكل فصل: الأبيض والخفيف للصيف، الألوان القاتمة والفراء للشتاء، وألوان زاهية للربيع والخريف.
  • الحلاقة: أدخل قصات شعر جديدة للرجال (تقصير الشعر وإظهار الجبهة والرقبة)، وطرقاً لتهذيب اللحية.
  • النظافة: أدخل استعمال معجون الأسنان (لم يعرف تركيبه بدقة لكنه كان يطيب الفم)، ومزيلات العرق المصنوعة من الشب والريحان.
القسم السابع: زرياب وتراثنا (الصنعة، المالوف، الغرناطي)

الأمانة لي خلاها زرياب عندنا

اليوم، كي نسمعوا "نوبة رمل الماية" ولا "نوبة سيكة" في القعدات والاعراس تاوعنا، ولا كي نحضرو في سهرة تاع "المالوف" في قسنطينة، ولا "الغرناطي" في تلمسان، ولا "الصنعة" في العاصمة، لازم نترحموا على زرياب. هاد السيد هو الساس والجدر (الجذر) تاع الشجرة الكبيرة لي رانا نستظلو بظلها اليوم.

بعد ما طاحت الأندلس، الناس لي هربو (المورسكيين وغيرهم) جابو معاهم "الكنز" لي خلاه زرياب في صدورهم وفي آلاتهم. هذا الفن توزع على ثلاث مدارس كبار عندنا في الجزائر والمغرب العربي، وكل مدرسة زادت فيه اللمسة تاعها الخاصة، بصح الأساس يبقى واحد:

  • مدرسة الغرناطي: لي حكمت بلاصتها في تلمسان ونواحي الغرب، وهي المدرسة لي بقات قريبة بزاف للروح تاع غرناطة وزرياب في ايامو الأخيرة.
  • مدرسة المالوف: في قسنطينة وعنابة وتونس، لي حافظت على الرزانة والوقار تاع النوبة وزادت عليها طابع محلي خاص (المحجوز).
  • مدرسة الصنعة (الآلة): في الجزائر العاصمة والبليدة (وحتى في المغرب)، لي طورات النوبة وزادت فيها "موازين" وصنايع معقدة كيما "الخلاصات" و"البطايحي".

كي تسمع شيوخنا الكبار، الله يرحمهم، كيما الحاج محمد الطاهر الفرقاني، ولا دحمان بن عاشور، ولا الحاج محمد العنقة (في بداياتو مع الأندلسي)، ولا الشيخ العربي بن صاري... راك تسمع في الصدى تاع صوت زرياب لي فات عليه كثر من ألف سنة ومازال حي في قلوبنا. حتى "الملحون" والقصيد تاعنا، خرج من عباية الموشحات والأزجال لي كان زرياب يشجع عليها في الأندلس. يعني زرياب هو "الجد الروحي" لكل فنان جزائري أصيل يحكم العود ولا الكمنجة.

القسم الثامن: الخلاصة ومصطلحات فنية

الخاتمة

لم يكن زرياب مجرد عابر سبيل في تاريخنا، بل كان مؤسساً لحضارة الذوق والجمال. إن ما نعيشه اليوم من تقاليد في الموسيقى والملبس والمأكل في بلداننا المغاربية، يدين بالكثير لهذا العبقري الذي حول النكبة (طرده من بغداد) إلى نعمة خلدت اسمه. لقد زالت قصور الأمراء، لكن "عود زرياب" و"نوباته" لا تزال تصدح في كل بيت، شاهدة على أن الفن الحقيقي لا يموت.

معجم المصطلحات الأندلسية

المصطلح الشرح
النوبةالقالب الموسيقي الكبير الذي يجمع عدة مقطوعات وفق نظام إيقاعي ومقامي محدد.
الصنعةتسمية تطلق على الموسيقى الأندلسية في الجزائر العاصمة، وتعني الإتقان والحرفة.
المالوفتسمية الموسيقى الأندلسية في الشرق الجزائري (قسنطينة) وتونس، وتعني ما ألفه الناس من العادات.
التويشيةمقدمة موسيقية آلية (بدون غناء) تفتتح بها النوبة لتهيئة الأذن للمقام.
الاستخبارموال ارتجالي يغنيه المنشد أو يعزفه العازف لاستعراض مهارته والتمهيد للدخول في النوبة.
الإنصرافالجزء الختامي من النوبة، ويتميز بالإيقاع السريع والخفيف.
معلومات حقوق النشر

هذا العمل الأدبي يقع في الملك العام. موقع "البقراج" يقوم بجمع وحفظ ونشر هذا التراث الشعبي مع إضافة قيمة تحليلية ومعرفية له.

نشر وتحقيق: الفنان الشعبي أكرم ليتيم

المقال السابق
لا تعليقات
إضافة تعليق
رابط التعليق